اسماعيل بن محمد القونوي
265
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [ آل عمران : 105 ] ) أي من بعد ما جاءهم العلم بالحق فيدل على كمال شناعتهم ( الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه ) . قوله : ( والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع ) أشار إلى أن الظاهر كون النهي عاما بالتفرق في الفروع أيضا بأن لا يجمعهم على ما هو الحق من الفروع ويتبع كل واحد هواه إلا شرذمة قليلون وأما المجتهدون فاختلافهم بالتمسك بالدليل وقيل إنه شامل للأصول والفروع لما ترى من اختلاف أهل السنة فيها كالماتريدي والأشعري وأما النهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع أو أجمع عليه ومراده أن ما ثبت فيه الحجة الموجبة للاتفاق لا يصح التفرق والاجتهاد فيه سواء كان أصلا أو فرعا والنهي عن الاختلاف فيه وأما اختلاف المجتهدين فليس مما ثبت فيه الحجة بعينه وكذا اختلاف الإمامين أبو منصور الماتريدي والأشعري في المسائل التي لا نص فيها ولا الحجة القاطعة فاختلافهما ليس داخلا في المنهي والقرينة عليه التشبيه المذكور فإن الذين تفرقوا اختلفوا فيما ثبت حقيته بالحجة الساطعة والبينة القاطعة حيث قال تعالى : مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [ آل عمران : 105 ] فالاختلاف فيما لم يجئ فيه البينات القطعية ليس بمنهي سواء كان في الأصول أو في الفروع وهذا حق لا محيص عنه ومن هذا البيان ظهر سر اختيار ولا تكونوا كالذين تفرقوا على ولا تفرقوا فلا تغفل . قوله : ( لقوله عليه السّلام اختلاف أمتي رحمة ولقوله عليه الصلاة والسّلام من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد ) رواه الطبراني والبيهقي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كذا قيل أراد بنقله تأييد كون المراد النهي عن الأصول دون الفروع وأنت تعلم ما هو الصواب من أن الاختلاف فيما ثبت بالبراهين منهي سواء كان في الأصول أو في الفروع والاختلاف فيما لم يعلم يقينا ليس بمنهي سواء كان في الأصول أو في الفروع والاختلاف في الحديث ليس بنص في الفروع وأنه عام خص منه البعض وهو ما علم يقينا سواء كان عملا أو اعتقادا فظهر ضعف ما قيل ليس اختلاف الأمة رحمة وليس الحديث معروفا عند المحدثين ولم أقف له عندهم بسند صحيح أو ضعيف أو موضوع ولا أظن له أصلا نقل عن الشيخ الإمام تقي الدين السبكي وليت شعري ماذا يقول هذا الشيخ في اختلاف المجتهدين واختلاف الماتريدي والأشعري ونفي كون اختلاف الأمة رحمة « 1 » جسارة غريبة والحديث أخرجه كثير من الأئمة المخرجين كالطبراني وغيره أوضحه بعض المحشيين ( وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم ) . قوله : والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول هذا توفيق بين الآية والحديث وإلا فهما متخالفان من حيث الظاهر . قوله : وتهديد على التشبه بهم هذا المعنى مستفاد من كاف كالذين حيث نهوا عن كونهم كهؤلاء المتفرقين .
--> ( 1 ) لأن العلماء تلقاه بالقبول حتى جعلوا اختلاف المجتهدين رحمة فكيف يقال ليس اختلاف الأمة رحمة .